أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

66

العقد الفريد

فلا يسمى نبيذا ، كما أنه ما لم يعمل من عصير العنب حتى يشتد لا يسمى خمرا ، كما قال الشاعر : نبيذ إذا مرّ الذّباب بدنّه * تقطّر أو خرّ الذباب ووقيذا « 1 » وقيل لسفيان الثوري وقد دعا بنبيذ فشرب منه ووضعه بين يديه : يا أبا عبد اللَّه ، أتخشى الذباب أن يقع في النبيذ ؟ قال : قبحه اللَّه إن لم يذبّ عن نفسه ! . وقال حفص بن غياث : كنت عند الأعمش وبين يديه نبيذ ، فاستأذن عليه قوم من طلبة الحديث ، فسترته ، فقال لي : لم سترته ؟ فكرهت أن أقول : لئلا يراه من يدخل ، فقلت : كرهت أن يقع فيه الذباب . فقال لي : هيهات إنه أمنع من ذلك جانبا ! . ولو كان النبيذ هو الخمر التي حرمها اللَّه في كتابه ، ما اختلف في تحريمه اثنان من الأمة . حدث محمد بن وضّاح قال : سألت سحنونا ، فقلت : ما تقول فيمن حلف بطلاق زوجته أن المطبوخ من عصير العنب هو الخمر التي حرمها اللَّه في كتابه ؟ قال : بانت « 2 » زوجته منه . وذكر ابن قتيبة في كتاب الأشربة ان اللَّه تعالى حرّم علينا الخمر بالكتاب ، والمسكر بالسنة ، فكان فيه فسحة ؛ فما كان محرّما بالكتاب فلا يحل منه لا قليل ولا كثير ، وما كان محرّما بالسّنة فإن فيه فسحة أو بعضه ، كالقليل من الديباج والحرير يكون في الثوب ، والحرير محرّم بالسنة ؛ وكالتفريط في صلاة الوتر وركعتي الفجر ، وهما سنة ؛ فلا نقول إن تاركها كتارك الفرائض من الظهر والعصر . وقد استأذن عبد الرحمن بن عوف رسول اللَّه صلّى اللّه عليه وسلّم في لباس الحرير لبليّة كانت به .

--> ( 1 ) تقطر : صرع وسقط ، والوقيظ : المضروب حتى يموت . ( 2 ) بانت زوجته : طلقت .